القرطبي

184

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فليس بحرام . قال أبو الليث السمرقندي الفقيه : وبهذا نأخذ ، لا بأس بأن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة . وهذا كما روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان بالحبشة فرشا دينارين وقال : إنما الاثم على القابض دون الدافع ، قال المهدوي : ومن جعل كسب الحجام ومن ذكر معه سحتا فمعناه أنه يسحت مروءة آخذه . قلت : الصحيح في كسب الحجام أنه طيب ، ومن أخذ طيبا لا تسقط مروءته ولا تنحط مرتبته . وقد روى مالك عن حميد الطويل عن أنس أنه قال : احتج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حجمه أبو طيبة فأمر له [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] ( 1 ) بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه ، قال ابن عبد البر : هذا يدل على أن كسب الحجام طيب ، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجعل ثمنا ولا جعلا [ ولا ] ( 1 ) عوضا لشئ من الباطل . وحديث أنس هذا ناسخ لما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم من ثمن الدم ، وناسخ لما كرهه من إجارة الحجام . وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره ، ولو كان سحتا لم يعطه . والسحت والسحت لغتان قرئ بهما ، قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي بضمتين ، والباقون بضم السين وحدها . وروى العباس بن الفضل عن خارجة بن مصعب عن نافع " أكالون للسحت " بفتح السين وإسكان الحاء وهذا مصدر من سحته ، يقال : أسحت وسحت بمعنى واحد . وقال الزجاج : سحته ذهب به قليلا قليلا . قوله تعالى : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) هذا تخيير من الله تعالى ، ذكره القشيري ، وتقدم معناه أنهم كانوا أهل موادعة لا أهل ذمة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وادع اليهود . ولا يجب علينا الحكم بين الكفار إذا لم يكونوا أهل ذمة ، بل يجوز الحكم إن أردنا . فأما أهل الذمة فهل يجب علينا الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا ؟ قولان للشافعي ، وإن ارتبطت الخصومة بمسلم يجب الحكم . قال المهدوي : أجمع العلماء على أن على الحاكم أن يحكم بين المسلم والذمي . واختلفوا في الذميين ، فذهب بعضهم إلى أن الآية محكمة وأن الحاكم مخير ، روى ذلك عن النخعي والشعبي وغيرهما ، وهو مذهب مالك

--> ( 1 ) من ج وك وه‍ وع .